ماذا ستفعل سورية بعد أن انهار قطاعها الصناعي؟ وما هي كلفة إعادة البناء؟ وهل سنتعلم من التجربة؟ أم أننا سنكرر الخطأ نفسه في لحظات اتخاذ القرارات؟ ونتخذ قرار اللاقرار؟
ماذا حصل للصناعة السورية:
لقد عانت الصناعة السورية من ظاهرة إغلاق تدريجية للورشات الصغيرة، وقد كانت هذه الأصوات لاتسمع، ولكن عندما وصل التردي إلى الشركات الكبرى، التي بدأت تفقد أسواقها التصديرية ( التي لم تكن تظهر في كشوف التصدير)، أصبحنا نسمع صراخاً عالياً من غرف الصناعة ومن جهات متعددة، ورغم أن الحكومة قد اتخذت مؤخراً مجموعة من القرارات التكتيكية التي قد تحد من سرعة الانهيار، إلا أننا نعتقد أن ظاهرتي الإغلاق والإغراق قد جعلتا القطاع الصناعي السوري في حالة انهيار محتم، ورغم أننا نتمنى أن نكون مخطئين، ولكن للأسف، لا يوجد مايدل على اتخاذ قرارات جدية إستراتيجية لإنقاذ الصناعة السورية، ومازال هذا الجدل البيزنطي يدور حول القطاعين العام والخاص، ومن منهم سيغرق قبل أم بعد الآخر؟
ماذا يحصل في الإدارة العامة للجمارك:
رغم أن السيد وزير المالية قد توعد في لقاء مفتوح مع أساتذة وطلاب جامعة حلب حضرته فعاليات اقتصادية ومالية في حلب, توعد المستوردين الذين يتقدمون بفواتير وهمية بشراء مستورداتهم بنفس السعر المذكور في بياناتهم الجمركية والتشهير بهم في وسائل الإعلام، إلا أن هذا الموقف الإيجابي نتمنى أن ينسحب لمعالجة مشكلة امتناع موظفي إدارة الجمارك العامة عن إدخال البيانات الجمركية إلى النظام المعلوماتي الذي تم تطويره ، والذي يعتبر الأداة الرئيسية لمتابعة موضوع تفاوت الأسعار لكل بند جمركي بكفاءة مقبولة( في ظاهرة لا تحصل في أي جهاز حكومي في العالم)، والأمر نفسه ينطبق على عدم وجود موقف متشدد من شكوى المكتب المركزي للاحصاء عن عدم التزام إدارة الجمارك العامة بالنظام المنسق الصادر عن المكتب المركزي، بل يتبين دوماً وجود تفاوتات بين النظامين ، في ظاهرة لا مثيل لها في العالم ايضاً. ونستشهد هنا بما قاله السيد محمد صباغ شرباتي رئيس غرفة صناعة حلب
“السوق أغرقت ببضائع صينية وغزول وأقمشة مدعومة في بلدها، وتدخل سورية من دون أية رسوم نتيجة التزوير والفساد، ما عرض منتجنا للخسارة”.”
ونتساءل بدورنا، هل تحتمل الصناعة السورية إجراءات غير تنافسية من قبل إدارة الجمارك العامة؟ ألا يكفيها ماتتعرض له من الأسواق المجاورة؟ ورغم أننا لا نعتقد أن مجرد إصلاح إدارة الجمارك العامة يكفي لإنقاذ الصناعة السورية، ولكن عدم إصلاحها سيعني انهياراً قاسياً وقاسياً جداً، وهذا يضع قرارات الحكومة الأخيرة في مهب الريح ، فإصدار القرارات شيء، والتأكد من التزام تنفيذها بدقة شيء آخر.
هل أتى دور قطاع الاتصالات؟
ما اشبه اليوم بالأمس، فبعد أن دار جدل كبير في الماضي حول إصلاح القطاع الصناعي ( العام)، وبعده الخاص، فقد كانت قوى مقاومة التغيير أقوى، وبالنتيجة ترك القطاع الصناعي العام يواجه مصيره المحتوم، وبسبب ارتباط قطاعنا الخاص الصناعي بالمزايا الحكومية المستورة، فقد اعتقد كبار الصناعيين أنهم ليسو بحاجة للإصلاح ، وأن من مصلحتهم بقاء الوضع على ماهو عليه، وبالتالي ومع أول أزمة جدية تبين أنه يعيش على أوكسجين الدعم والامتيازات فقط.
الوضع نفسه الآن تعاني منه المؤسسة العامة للاتصالات ومن خلفها شركتا الخلوي، اللتان تعتقدان حقاً أنهما تؤمنان مصدر دخل للخزينة ( بسبب أدئهما الفني والاقتصادي المرتفع)، والحقيقة أن المؤسسة العامة للاتصالات هي مؤسسة خاسرة بامتياز ، فباستثناء قطاع الخلوي الرابح إدارياً، فإن باقي القطاعات هي قطاعات خاسرة ، وما يعتبره البعض رافداً للخزينة ، تعيد سحبه المؤسسة من الخزينة ( باليد اليسرى) لتغطية الهدر الكبير في طرق عملها الحالية، وبالتالي فالمواطن ورغم أنه قد تعرض لرفع في أجور المكالمات الهاتفية ولأجور إنترنت لا تشابهها أجور أخرى عالمياً، فهو لم يحصل على خدمة معقولة ، أما الخطوط ذات الحزمة العريضة فهي مخبأة عن المواطنين، وقد كان من المفاجئ أنه قد تم توريد قسم كبير من الدارات وتركيبها، ولكن المواطن مازال لا يستطيع الوصول لها، ويكمن السر لدى موظفي القطاع العام المؤتمنين على موارد المؤسسة ( رغم أنهم ليسو مجرد أشخاص طبيعيين) ، والذين اجتمعت لديهم مجموعة من مواصفات ضعف الخبرة الفنية مع ضعف في التعامل مع الزبائن ( في الحد الأدنى).
القطاع الخلوي رابح بقرار إداري:
أما ما يتعلق بالخلوي، فإن ما يعتبره البعض دخلاً يحققه للخزينة، هو ليس أكثر من ضريبة يدفعها المواطن، بقرار إداري لا علاقة له بمستوى أداء مزودي الخدمة، بل على العكس، فإن نسبة الـ 50 % ( الفاحشة) لاتدفع منها الشركتان قرشاًَ واحداً، فهي على الغالب تتم تغطيتها بالنسبة للخطوط لاحقة الدفع من الرسم الشهري ( الشهير جداً) ، ومن اعتبار الثانية ( دقيقة)، ومن رسم معرفة رقم المتصل ( الالزامي)، أما بالنسبة للخطوط المسبقة الدفع فهي تغطى من فارق سعر الدقيقة، هذا إن لم نتحدث عن الأجور المخفضة لاستخدام البنية التحتية، وعن الخدمات المضافة على الشبكة، وبالتالي إن كان هناك من يجب أن يشتكي على مايحصل فهو المواطن وليس شركتي الخلوي التين بقيتا لسنوات وسنوات في سوق مغلق ولم تتمكنا من تقديم خدمات بمستوى مقبول.
هل سيؤثر قانون إصلاح قطاع الاتصالات على عائدات الخزينة؟
رغم أننا نعتقد أن عائدات قطاع الاتصالات لا يجب أن تتجاوز حداً معيناَ، وذلك كون الاتصالات أداة تنموية، وبالتالي فإنها لا يجب أن تكون المصدر الرئيس للدخل الحكومي، بل يجب أن تستخدم لتحفيز التنمية،إلا أننا نعتقد أن قانون الاتصالات المقترح إن لم يؤد لزيادة العائدات فهو لن يؤدي لإنقاصها ( إلا إن قررت الحكومة ذلك)، فبكل بساطة يمكن أن تقرر وزارة المالية الضريبة التي تراها مناسبة على الشركات كنسبة من الدخل ( هذه الضريبة التي خفضت سقوفها في لحظة ما لصالح الشركات الكبرى)، فمستخدم الخلوي لن يخفض من زمن مكالمته وعدد مكالماته بعد تطبيق قانون الاتصالات، ولكنه قد يزيدها إن انخفضت الأسعار، ولهذا فلا ندري ما علاقة تحرير القطاع بانخفاض حصة الخزينة التي يتم تحصيلها بقرار إداري بحت.
على أية حال، نعتقد من حيث المبدأ، أن هذا الدخل من ضرائب الخلوي ( الذي يقدر بـ 25 مليار ليرة)، لايجب أن يحصل كله من مستخدمي الهاتف المحمول، فهناك شرائح أخرى في المجتمع تتحمل فرض ضرائب عليها، ولايوجد مايمنع ذلك، بل نعتقد أن مجرد تمكن الحكومة من ضبط موضوع الفواتير سيعود عليها بأضعاف هذا المبلغ.
كان النقاش السابق من وجهة نظر مالية بحتة، ولكننا لا نحبذ إطلاقاً النظر للأمور بهذا المنظور الضيق، فقطاع الاتصالات في سورية سيعاني خلال سنوات من انهيار ( شبيه بالانهيار الصناعي)، مالم تبدأ المؤسسات العاملة في هذا المجال ( العامة والخاصة) بالعمل في بيئة تنافسية، أما المواطن، فإنه ينظر لقطاع الاتصالات كأداة لإحداث قفزة جدية في واقعه عبر تقديم خدمات جديدة ، لا تؤدي فقط للحفاظ على دخل الخزينة من قطاع الاتصالات ، ولكنها تزيد من هذا الدخل ( بشكل إجمالي)، ولكنها في الوقت نفسه تقدم خدمات أفضل ,وأكثر جدوى للمواطن ولقطاع الأعمال، مما يمكنه من العمل بشكل تنافسي يؤدي لزيادة مردود الخزينة أيضا، ولتأمين فرص عمل واسعة في قطاعات مرتبطة بقطاع الاتصالات كقطاع تقانات المعلومات.
الموظف مواطن أولاً:
اعتقد أنه من المفيد مناقشة النقطة التي تمت إثارتها مؤخراً بشكل متكرر في وسائل الإعلام، والمتعلقة بالهيئة الناظمة لقطاع الاتصالات وكون عضويتها من المواطنين (أشخاصاَ طبيعيين )أم من الموظفين (أشخاص طبيعيون مسجلون في السجل العام للموظفين) ، وعلينا أن نتذكر أن الموظف هو مواطن أولاً، وثقتنا به لاتعود من كونه مسجل في السجل العام للموظفين بقدر ما أنه مواطن في هذا الوطن يهتم بمصلحته ، ويسعى لما فيه خيره، ولهذا فلانرى مبرراً للضجة المفتعلة حول هذه النقطة، فمنصب عضو هيئة ناظمة في قطاع الاتصالات أو في أي منصب بهذا المستوى الرفيع، لا يسمح بجمع منصب حكومي آخر معه، والأمر مشابه لتعيين أحد الموظفين الحكوميين في منصب قاض أو معاون وزير، فهل يسمح له الاستمرار في المنصبين لضمان نزاهته !!!! ، وبالتالي لا يوجد ما يمنع من أن تضم الهيئة في عضويتها لموظفين حكوميين ولكن شرط أن لا يحافظوا على منصبهم الحالي، وإلا فقدت الهيئة قيمتها وتحولت للجنة لا يملك أي من أفرادها أية صلاحيات.
وختاماً، فإننا ندعو كافة الجهات المعنية للدفع باتجاه إصدار قانون تطوير قطاع الاتصالات، فالمصلحة العامة ( والمشتركة) تكمن في قطاع اتصالات قابل للنمو، وليس في قطاع اتصالات ينهار تدريجياً، وإن تأخر إصلاح قطاع الاتصالات، فلن يكون بعيداً اليوم الذي سنسمع فيه صرخات ممثلي شركات الاتصالات، كما نسمع صرخات الصناعيين اليوم، فهل سيتكاتف الجميع لإنقاذ هذا القطاع؟ ام ستستمر اللعبة المدمرة التي سيخرج منها الجميع خاسرين؟
الخبر منقول من مدونة المهندس محمود عنبر وهو خبير في أنظمة المعلومات وتطبيقاتها ومهتم بالشأن التكنولوجي السوري وله في هذا السياق الكثير من المحاضرات والمقالات وهو محرر دائم في مجلة أسود وأبيض المتميزة



