عيد رأس السنة الميلادية في دمشق يمر بصمت هذا العام، فالدمشقيون يخافون أن يجرحوا مشاعر إخوتهم في غزة الذين أقاموا مجالس العزاء في أرجاء القطاع المعزول عن كل شيء إلا عن صواريخ وقذائف الإسرائيليين الموجهة ولعمياء في آن واحد، بالغة الدقة في إصابة كل ما هو حي، فاستبدلوا الصواريخ النارية البراقة بشموع أكثر هدوءا، وربما… أكثر دفئا.
فقط غزة هي الوحيدة التي جعلتني أخرج عن صمتي الذي طال، فقط غزة أجبرتني على أخذ إجازة من التصفح العشوائي للأخبار ومواقع التسلية، وأجلستني أمام لوحة المفاتيح، فهل نحن دمويون إلى هذا الحد، ألم يعد يستثير أناملنا إلا حمامات الدم التي تتدفق في بث حي ومباشر على القنوات الفضائية؟!
في السابق كنت أنأى بنفسي عن الخوض في المسألة الفلسطينية ما بعد أوسلو، وما بعد خرائط الطرق التي رسمت طرقا عجز عن تبيان ملامحها أعتى الأدلاء…
في الواقع أربكني الصراع الفلسطيني الفلسطيني، وتلك الإرادة على مواجهة دولة مسلحة بالكامل بصوارخ خرقاء، إرادة لم أكن أفهمها، ولم أكن أؤيدها، فكل صاروخ يدوي الصنع ينطلق من غزة، ويسقط في الفراغ، يجابه بصواريخ شديدة الانفجار موجهة نحو الصدور العارية، معادلة خاطئة كنت أراها بل مستحيلة من وجهة نظر مؤلف كتاب فن الحرب سان تزوي، الذي أعتقد بأنه لو قدر له بأن يبعث من بين الأموات، لشد شعره، ولدار حول نفسه محاولا أن يفهم لماذا تصر حماس على تحدي منطق المواجهة.
يثير اشمئزازي الصمت الدولي عن الجريمة التي تحدث تحت أنظاره، يثير اشمئزازي ضعف دبلوماسية الأمم المتحدة وأمينها العام الذي اكتفى باللوم الرقيق ودعوة أطراف الصراع إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وكأن مهمة منظمته هو تنظيم الاجتماعات بدلا من السهر على تطبيق القانون الدولي والحفاظ على السلام بل تلافي الصراعات.
ولكن أكثر ما يثير اشمئزازي هو الصمت العربي، والصمت الإسلامي، وشيوخ الشعائر الذين لا ينفكون يدعون رعاياهم إلى تسوية الصفوف للصلاة ليس لغزة… ليس لأطفال غزة…. بل لنفوسهم البائسة…
لا يكاد يختلف اثنان أن قرارات الأمم المتحدة قد فقدت مصداقيتها… وربما هذا أمر طبيعي، فأعضاء مجلس أمنها الدائمين ليسوا إلا ممثلي دول الحلفاء الذين قهروا دول المحور في أكثر الحروب البشرية دموية في القرن السابق، دول تحكمها رؤوس أموال تجار السلاح والموت، دول وضعت نصب أعينها الإثراء على حساب باقي الدول، وحرمانها من التقدم والرخاء، دول اقتصرت ديمقراطيتها على حرية الاجتماع وانتخاب المجالس البلدية…
لمن نكتب، ولماذا نكتب…
ربما لكي نخفف عن أنفسنا وطء ضمائرنا… وربما للتاريخ… للأجيال القادمة… ليعتبروا… وليعلموا…. وللأمل بأن تكون الأجيال القادمة أكثر وعيا، وأكثر إنسانية…
ليس لنا إلا الأمل.. بأن من سيرث الأرض بعد أن ندمرها بعدواننا… وبصمتنا… لن يحذو حذونا… ولن يكرر أخطاءنا…
وأن يسامح صمتنا….
فسامحونا….



الحرب ليست على جبهة واحدة، الحرب ليست فقط قتال على الأرض.. الحرب: إعلام، رأي عام، دعم معنوي ومادي….و..و..
لذلك يمكننا المحاولة دائماً كسر هذا الصمت..
في السابق كنت مأخوذة بمفهوم السلام , و أدعو إليه أينما وُجدت.. و مضى وقت قبل أن أفهم , أنّ الفرق بين السلام و الاستسلام ليس مجرد ثلاثة أحرف , إنمّا هوة واسعة تحول دون اجتماع المفهومين !..
اليوم, لا زلت أدعو للسلام بقوّة لكنّي أفهم تماماً حين أرى “صاروخ يدوي الصنع ينطلق من غزة، ويسقط في الفراغ”..و أفهم حين تقرر تلك (الصدور العارية) استقبال (الصورايخ شديدة الانفجار) برضى لأنها و بشكل أساسي , و عبر التجربة , قد أدركت أنّ هدف الصواريخ أساساً لا يعدو عن كونه إبادة وحشيّة لوجودها , قاومت أو لم تقاوم !!..
يؤلمني الإنقسام الفلسطيني الفلسطيني لكنّه لا يربكني و أنا أعلم , من يدير كل طرف و ما هدفه !!
….يؤسفني أنك لم تختبر عمق مبدأ (المقاومة) ,بشكل عام.و أنك لا تزال ترى أن مواجهة (دولة مسلّحة بالكامل بصواريخ خرقاء “هي كلّ ما سمحوا لنا بامتلاكه” ) هو ضرب من الجنون!..تذكرني بقانون الغابة!..هل القوي يسود برأيك؟؟!
ليست القوّة كل شيء(برأيي).. تسجيل موقف مشرّف بحياتك “و لو كان الأخير” هو شيء جوهري أيضاً!!..
أؤمن بالحوار حين ألمس رغبة الطرف الآخر بسماعي و محاولة فهم فكرتي , كما هي رغبتي !, و ليس مجرّد الهيمنة عليّ و الرفض لأيّ كلمةأقولها نتيجة تصوّر مسبق جامد في عقله عني, مع نتيجة مرسومة قبل البدء “تحمل نهاية وجودي” و طلب غير مباشر باقتناعي بها!.. هكذا هي إسرائيل الآن(فاذهب و حاورها لو أردت!)..
…. حقاً ترهق إنسانيتي المجازر و الانتهاكات التي تقترفها بحقّ الإنسان الفلسطيني في غزّة, يحزنني وضع الأطفال,و أؤمن أنّ أحداً عليه أن يوقفها..فهل ترى يا عزيزي أي بادرة في الأفق (البعيد)؟
في النهاية و رغم كرهي للعنف بكل أشكاله و عدم تأييدي للحل الحربي, الذي يسبب الخراب في كلا الطرفين, إلّا أني أرى لأهالي غزّة كل الحق في تقرير الطريقة التي يدفعون بها الخطر عن من يحبّون!..طالما كان المجتمع الدولي و العربي نائماً.. و طالما أنّ شموعنا التي نشعلها , و أصواتنا التي تعلو احتجاجاً على المأساة التي تُخط بدماء الأطفال و أشلائهم, لم تلق جواباً من أصحاب القرار!!..
…و فيما عدا تحفظي على النقاط الذي ذكرتهاأعلاه ,فاحترامي و تقديري لمشاعرك الإنسانية.
و إلى ما بعد…. أراك.
RU
نعم تعلمت ماهو الأفظع من الخيانة و الأسوء من الأستكانة ,نعم عرفت , فالأخطر و الأفظع و الأسوء من هذه السفالة,هي ايجاد منطق أعوج لهذه الأفعال المشينة و إعطائها مبررات خاطئة ومحاولة وضع أسس باطلة تدعي بأنها واقعية بينما هي في حقيقة الأمر تتراوح من الغبيةالتافهة الى العميلة المكشوفة ,على أية حال أن عمليةتمييع المبادئ و الثوابت مستمرة بطرق متعددة و بمكر خبيث و أوضحها مثالا هو بعض القنوات التلفزيونية سواء كانت أخبارية أو إتجارية فئوية ولاداعي لذكر اسمائها لان الساذج اضحى يعرفها و إحدى اساليبها المتعددة تلك هو ذكر الخبر الهام المؤلم ومن ثم أعلان تافه أو خبر عابر و نقل الأهتمام من قضية كبرى الى حدث سخيف ,الهدف منه تشويش الذهن و الفكر و تشويه الحقائق لإضاعة الذاكرة والفهم ,لغاية أعمق و أدهى الا هي زرع منهج عكسي يتناسب مع الأعداء و العملاء ,ليصبح المقاوم الشريف إما أرهابيا مكروها أو مغامرا مجنونا,وللحديث تتمة….
ليست من هواياتي الخوض في الشأن الفلسطيني لكنني لم اعد أتحمل كل هذا الطغيان الذي تتسابق شاشات الفضائيات على تصويره حتى بات المشاهد ملتصقا بالشاشة لا لسبب إلا رغبته في مشاهدة صاروخ ينطلق من طائرة وينفجر على الأرض مبعثرا أشلاء بشرية حقيقية لأنها مناظر live نادرة ….
وبالتالي لم أكن أريد أن أزيد الطين بلة والصواريخ تنهمر وأقوم بتقريع المتخاذلين الذين يشاركوننا جريمة الفرجة على جيرانهم يذبحون وهم يقولون في سرهم (بيستاهلو… خليهون يفرجونا شو رح تنفعون صواريخون الخرائية)…
الفلسطينيون جميعهم مستهدفون وبالتالي يجب أن يتمترسوا جميعا خلف خندق واحد: إما قبول بالهزيمة في الحاضر وثأر في المستقبل، أو نموت وتحيا فلسطين…. أما أن يتوزعوا بين مهادن ومقاوم وغير مبال فهذه هي الكارثة، فإن لم يوحدنا الحصار والتجويع والقمع والقصف فما الذي سيوحدنا سوى المقابر؟
والعرب…. إخوة الفلسطينيين…. عليهم أن يحددوا موقفهم أيضا…. فإما عروبة وأخوة وما إلى ذلك، أو فليقولوا جهارة لم تعد فلسطين تعنينا…. بدلا من المتاجرة بالقضية والمزاودة على أنفسهم…. (يعني بالمشرمحي ريحو حالكون وريحونا، وخلونا نعرف مين معنا ومين علينا)