لحسن حظي أو لسوئه لم أتشرف بزيارة وزارة المالية سوى مرتين في حياتي، وبالتالي لا أعرفبالضبط ما الذي يتم طبخه في أروقتها…
وكل ما يجمعني بها هو محل الفطائر القريب منها …
لست مولعا بالفطائر، ولكنها تشكل وجبة غذائي في معظم الأحيان، فدخلي لا يسمح لي بتناول الغذاء في المطاعم، وطبيعة عملي تتطلب مني الغياب منذ الصباح وحتى المساء كي أتمكن من تسديد مختلف النفقات اليومية، والفواتير، والضرائب التي لم أستطع حصرها على وجه الدقة، بالرغم من استخدامي آخر ما توصل إليه العلم من برامج إدارة النفقات الشخصية….
وكوني لا أتابع تحركات السيد الوزير، لأنني لا أسكن في جوارها (كش برا وبعيد)، وبالتاليلا أعرف أوقات قدوم ومغادرة السيد الوزير…
فكل ما أعرفه أنه شخص مشغول جدا بتوقيع البريد، وحضور المؤتمرات وورشات العمل، والإدلاء بالتصريحات الصحافية… أي تصريف الأعمال اليومية. وبالتالي لا أستطيع أن أجزم بأنه يتناول إفطاره أو غذاءه أو عشاءه على طاولة مكتبه كما أفعل أنا، وإن كان يفعل، فلا أعتقد بأن الفطائر قاسم مشترك بيني وبينه.
ولكنني أجزم إلى حد الحلفان بالطلاق أن الفطائر قاسم مشترك بيني وبين جميع موظفي الوزارة الذين يقدر عددهم بالمئات باستثناء موظفي الديوان والشؤون الإدارية، والآلة الكاتبة.
وبالتالي لربما لم يلاحظ سيادته بأن محل الفطائر قد قام مؤخرا برفع سعرها بما يعادل 50% على الرغم من أن العد العكسي لرفع الدعم عن بعض السلع الأساسية لا يزال جاريا!
ولكنني أجزم إلى حد الحلفان بحياة أغلى الغوالي وصولا إلى عيني روبي، وهيفاء، وأليسا، أن جيش الموظفين لا بد وأن يكون قد لاحظ -كما لاحظت أنا- ، وأخذ غدرا كما أخذت، أن فاتورة وجبة الفطائر قد زادت، دون أن تتغير بالطبع على لوحة الإعلان عن الأسعار التي غطاها السخام في محل الفطائر الذي لا يبعد عن الباب الرئيسي للوزارة سوى (لحشة حجر).
لا أعرف إن كان السيد الوزير قد أخذ علما بما يجري خارج غرفة سيادته، وكلي أمل أن يسرّ حاجب السيد الوزير أو سائق السيد الوزير للسيد الوزير في دقيقة خلوة وصفاء أن سعر الفطائر قد زاد، لأنني لا أعتقد أن أحدا من موظفيه سيدخل عليه مطوحا بمنقوشة الزعتر قائلا: انظر يا سيدي وتأمل، هل تعلم أن هذه السلعة قد أصبحت أغلى ثمنا….
ولا أعتقد بأن السيد الوزير سيقترح عليهما أن يتحولا إلى أكل الكاتو… ليس لسبب، ولكن لأن محل الكاتو أبعد من محل الفطائر، وسيتطلب جلبها وقتا محسوبا من وقت الدوام والإنتاج…
وبالتالي فكل أملي، وكلي اعتماد على بوّابه المسكين، وسائقه المعتّر في أن يلفتا نظره إلى الحقيقة الساطعة بأن صاحب المحل قد سبقه، بل سبق الحكومة كلها برسم معالم حقبة ما بعد التاريخ – أو حقبة مابين رفع الدعم ورفع الأجور- ، وبالتالي يمكن أن تؤخذ تجربة صاحب المحل الذي لم يكمل الصف السادس كمشروع رائد يستحق الدراسة، لاستشراف باقي آثار رفع الدعم على الحركة النقدية، إلى ما هنالك من مؤشرات ومصطلحات مالية…
قد أكون متفائلا إن اعتقدت بأن اليوم الذي ستتم فيه دراسة نتائج هذه المبادرة التي سبقت زمانها قادم لا محالة، وأنه بنتيجة الدراسة ستجد لجنة السبعة الكبار +1 أن آثار
رفع الدعم مبلوعة، بل قد يجد صناع قرار الاقتصاد، والمالية، والصناعة، والإصلاح الزراعي، والسياحة، والنفط، والاتصالات + الثقافة أن لصاحب المحل خبرة استثنائية تستحق الوقوف عليها، والاستفادة منها، فيعرضون على حضرته أن يعمل لديهم برتبة مستشار!
ولكنني أتساءل حقا: هل سيرضى هذا الذي لم يكمل تعليمه الابتدائي بهذا المنصب؟
أفيدوني… أعزكم الله..